محمد الريشهري
2155
ميزان الحكمة
وقوله : * ( وأنه يحيي الموتى ) * معطوف على ما قبله ، أي المذكور في الآية السابقة من صيرورة التراب الميت بالانتقال من حال إلى حال إنسانا حيا ، وكذا صيرورة الأرض الميتة بنزول الماء نباتا حيا ، واستمرار هذا الأمر بسبب أن الله يحيي الموتى ويستمر منه ذلك . وقوله : * ( وأنه على كل شئ قدير ) * معطوف على سابقه كسابقه ، والمراد أن ما ذكرناه بسبب أن الله على كل شئ قدير ، وذلك أن إيجاد الإنسان والنبات وتدبير أمرهما في الحدوث والبقاء مرتبط بما في الكون من وجود أو نظام جار في الوجود ، وكما أن إيجادهما وتدبير أمرهما لا يتم إلا مع القدرة عليهما كذلك القدرة عليها لا تتم إلا مع القدرة على كل شئ ، فخلقهما وتدبير أمرهما بسبب عموم القدرة . وإن شئت فقل : ذلك يكشف عن عموم القدرة . قوله تعالى : * ( وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) * الجملتان معطوفتان على * ( أن ) * في قوله : * ( ذلك بأن الله ) * . وأما الوجه في اختصاص هذه النتائج الخمس المذكورة في الآيتين بالذكر - مع أن بيان السابقة ينتج نتائج أخرى مهمة في أبواب التوحيد كربوبيته تعالى ونفي شركاء العبادة وكونه تعالى عليما ومنعما وجوادا وغير ذلك - فالذي يعطيه السياق - والمقام مقام إثبات البعث ، وعرض هذه الآيات على سائر الآيات المثبتة للبعث - أن الآية تؤم إثبات البعث من طريق إثبات كونه تعالى حقا على الإطلاق ، فإن الحق المحض لا يصدر عنه إلا الفعل الحق دون الباطل ، ولو لم يكن هناك نشأة أخرى يعيش فيها الإنسان بماله من سعادة أو شقاء ، واقتصر في الخلقة على الإيجاد ثم الإعدام ثم الإيجاد ثم الإعدام وهكذا ، كان لعبا باطلا ، فكونه تعالى حقا لا يفعل إلا الحق يستلزم نشأة البعث استلزاما بينا ، فإن هذه الحياة الدنيا تنقطع بالموت ، فبعدها حياة أخرى باقية لا محالة . فالآية - أعني قوله : * ( فإنا خلقناكم من تراب - إلى قوله - ذلك بأن الله هو الحق ) * - في مجرى قوله : * ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ) * الدخان : 39 وقوله : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ) * ص : 27 وغيرهما من الآيات المتعرضة لإثبات المعاد ، وإنما الفرق أنها تثبته من طريق حقية فعله تعالى ، والآية المبحوث عنها تثبته من طريق حقيته تعالى في نفسه المستلزمة لحقية فعله . ثم لما كان من الممكن أن يتوهم استحالة إحياء الموتى - فلا ينفع البرهان حينئذ - دفعه بقوله : * ( وأنه يحيي الموتى ) * ، فإحياؤه تعالى الموتى - بجعل التراب الميت إنسانا حيا وجعل الأرض الميتة نباتا حيا - واقع مستمر مشهود ، فلا ريب في إمكانه ، وهذه الجملة أيضا في مجرى قوله تعالى : * ( قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) * ( 1 ) وسائر الآيات المثبتة لإمكان البعث والإحياء ثانيا من طريق
--> ( 1 ) يس : 79 .